فصل: تفسير الآيات رقم (13- 15)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ***


سورة الحديد

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 4‏]‏

‏{‏سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏1‏)‏ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏2‏)‏ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏3‏)‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏4‏)‏‏}‏

ولما ختمت الواقعة بالأمر بتنزيهه عما أنكره الكفرة من البعث، جاءت هذه لتقرير ذلك التنزيه وتبيينه بالدليل والبرهان والسيف والسنان فقال تعالى كالتعليل لآخر الواقعة‏:‏ ‏{‏سبح‏}‏ أي أوقع التسبيح بدلالة الجبلة تعظيماً له سبحانه وإقراراً بربوبيته وإذعاناً لطاعته، وقصره، وهو متعد ليدل على العموم بقصره، وعلى الإخلاص بتعديته باللام وجعله ماضياً هنا وفي الحشر والصف ومضارعاً في الجمعة والتغابن ليدل على أن مما أسند إليه التسبيح هو من شأنه وهجيراه وديدنه وتخصيص كل من الماضي والمضارع بما افتتح به لما يأتي في أول الجمعة، والإتيان بالمصدر أول الإسراء أبلغ من حيث إنه يدل إطلاقه على استحقاق التسبيح من كل شيء وفي كل حال ‏{‏لله‏}‏ أي الملك المحيط بجميع صفات الكمال ‏{‏ما في السماوات‏}‏ أي الأجرام العالية والذي فيها وهي الأرض ومن فيها وكل سماء ومن فيها، وما بينهما لأنها كلها في العرش الذي هو أعلى الخلق‏.‏

ولما كان الكلام آخر الواقعة مع أهل الخصوص بل هو أخص أهل الخصوص، لم يحتج إلى تأكيد فحذف ما جعلا للخافقين كشيء واحد لأن نظره لهما نظر علو نظراً واحداً لما أخبر به عنهما من التنزيه فقال‏:‏ ‏{‏والأرض *‏}‏ أي وما فيها وكذا نفس الأراضي كما تقدم، فشمل، ذلك جميع الموجودات لأنه إذا سبح ذلك كله فتسبيح العرش بطريق الأولى وتنزيه هذه الأشياء بما فيها من الآيات الدالة على أنه سبحانه لا يلم بجنابه شائبة نقص، وأن كل شيء واقف على الباب يشاهد الطلب، قال القشيري‏:‏ التسبيح‏:‏ التقديس والتنزيه، ويكون بمعنى سباحة الأسرار في بحار الإجلال، فيظفرون بجواهر التوحيد، وينظمونها في عقد الإيمان، ويرصعونها في أطواق الوصلة‏.‏

ولما قرر ذلك، دل على أنه لا قدرة لشيء على الانفكاك عنه، وأن له كل كمال، فهو المستحق للتسبيح والحمد فقال‏:‏ ‏{‏وهو‏}‏ أي وحده ‏{‏العزيز‏}‏ الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ‏{‏الحكيم *‏}‏ الذي أتقن كل شيء صنعه‏.‏

وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير العاصمي في برهانه‏:‏ لما تقدم قوله سبحانه وتعالى ‏{‏فلولا تصدقون‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 57‏]‏ وفيه من التقريع والتوبيخ لمن قرع به ما لا خفاء به، ثم اتبع بقوله تعالى ‏{‏أفرءيتم ما تمنون‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 58‏]‏ الآيات إلى قوله ‏{‏ومتاعاً للمقوين‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 73‏]‏ فعزروا ووبخوا على سوء جهلهم وقبح ضلالهم، ثم قال سبحانه وتعالى بعد ذلك ‏{‏أبهذا الحديث أنتم مدهنون‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 81‏]‏ واستمر توبيخهم إلى قوله‏:‏ ‏{‏إن كنتم صادقين‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 87‏]‏ فلما أشارت هذه الآيات إلى قبائح مرتكباتهم، أعقب تعالى ذلك تنزيهه عز وجل عن سوء ما انتحلوه وضلالهم فيما جهلوه فقال تعالى ‏{‏فسبح باسم ربك‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 69‏]‏ أي نزهه عن عظيم ضلالهم وسوء اجترائهم، ثم أعقب ذلك بقوله ‏{‏سبح لله ما في السماوات والأرض‏}‏ أي سبح باسم ربك، فهي سنة العالم بأسرهم

‏{‏وله أسلم من في السماوات والأرض‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 83‏]‏ ‏{‏سبح لله ما في السماوات والأرض‏}‏ ثم أتبع ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏له الملك وله الحمد‏}‏ فبين تعالى انفراده بصفة الجلال ونعوت الكمال، وأنه المتفرد بالملك والحمد وأنه الأول والآخر والظاهر والباطن إلى قوله‏:‏ ‏{‏وهو عليم بذات الصدور‏}‏ فتضمنت هذه الآيات إرغام من أشير إلى حاله في الآية المتقدمة من سورة الواقعة وقطع ضلالهم والتعريف بما جهلوه من صفاته العلى وأسمائه الحسنى جل وتعالى، وافتتحت آي السورتين واتصلت معانيها ثم صرف الخطاب إلى عباده المؤمنين فقال تعالى ‏{‏آمنوا بالله ورسوله‏}‏ واستمرت الآي على خطابهم إلى آخر السورة- انتهى‏.‏

ولما أخبر بذلك، دل على وجه مصرح بما أفهمه الأول من تسبيح السماوات والأرض بقوله‏:‏ ‏{‏له‏}‏ أي وحده ‏{‏ملك السماوات والأرض‏}‏ أي وملك ما فيهما وما بينهما ظاهراً وباطناً، فالملك الظاهر ما هو الآن موجود في الدنيا من أرض مدحية وسماء مبنية وكواكب مضية وأفلاك علية ورياح محسوسة وسحاب مرئية- وما تفصل إلى ذلك من خلق وأمر، والملك الباطن الغائب عنا، وأعظمه المضاف إلى الآخر وهو الملكوت، قال القشيري‏:‏ الملك مبالغة من الملك يعني بدلالة الضمة، قال، والملك بالكسر أي القدرة على الإبداع فلا مالك إلا الله، وإذا قيل لغيره‏:‏ مالك، فعلى المجاز بالأحكام المتعلقة في الشريعة على ملك الناس أي بتصحيحه أو إفساده ونحوه ذلك، فالآية من الاحتباك‏:‏ ذكر ما بين السماوات والأرض أولاً دليلاً على حذف ما بينهما ثانياً، وذكر الخافقين ثانياً دليلاً على حذف مثل ذلك أولاً ليكون التسبيح والملك شاملاً للكل‏.‏

ولما كان ذلك مما لا نزاع فيه، وكان ربما عاند معاند، دل عليه بما لا مطمع فيه لغيره فقال مقدماً الإحياء لأنه كذلك في الخارج ولأن زمن الحياة أكثر لأن البعث حياة دائمة لا موت بعدها‏:‏ ‏{‏يحيي‏}‏ أي له صفة الإحياء فيحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده على صفة الإحياء كيف شاء في أطور يتقلبها كيف شاء وكيف يشاء ومما يشاء ‏{‏ويميت‏}‏ أي له هاتان الصفتان على سبيل الاختيار والتجد والاستمرار، فهو قادر على البعث بدليل ما ثبت له من صفة الإحياء‏.‏ ولما كان هذا شاملاً للقدرة على التجديد والإعادة، عم الحكم بقوله‏:‏ ‏{‏وهو على كل شيء‏}‏ أي من الإحياء والإماتة وغيرهما من كل ممكن ‏{‏قدير *‏}‏ أي بالغ القدرة إلى حد لا يمكن الزيادة عليه‏.‏

ولما أخبر بتمام القدرة، دل على ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏هو‏}‏ أي وحده ‏{‏الأول‏}‏ أي بالأزلية قبل كل شيء فلا أول له، والقديم الذي منه وجود كل شيء وليس وجوده من شيء لأن كل ما نشاهده متأثر لأنه حقير، وكل ما كان ما كان كذلك فلا بد له من موجد غير متأثر ‏{‏والآخر‏}‏ بالأبدية، الذي ينتهي إليه وجود كل شيء في سلسلة الترقي وهو بعد فناء كل شيء ولو بالنظر إلى ما له من ذاته فلا آخر له لأنه يستحيل عليه نعت العدم لأن كل ما سواه متغير، بنوع من التغيير جاز إعدامه، وما جاز إعدامه فلا بد له من معدم يكون بعده ولا يمكن إعدامه‏.‏

ولما كان السبق يقتضي البطون، والتأخر يوجب الظهور، وكانا أمرين متضادين لا يكاد الإنسان يستقل بتعلقهما في شيء واحد، نبه على اجتماعهما فيه، فقال مشيراً بالواو إلى تمام الاتصاف وتحققه‏:‏ ‏{‏والظاهر‏}‏ أي بالأحدية للعقل بأدلته الظاهرة في المصنوعات بما له من الأفعال ظهوراً لا يجهله عاقل، وهو الغالب في رفعته وعلوه فليس فوقه شيء ‏{‏والباطن‏}‏ بالصمدية وعن انطباع الحواس وارتسام الخيال وتصور الفهم والفكر وبتمام العلم والحكمة بما له من العظمة في ذاته بكثرة التعالي والحجب بطوناً لا يكتنه شيء، وقال القشيري‏:‏ الأول بلا ابتداء، الآخر بلا انتهاء‏.‏ الظاهر بلا خفاء، الباطن بنعت العلا وعز الكبرياء- انتهى، والعطف للدلالة كما أشير إليه على الإحاطة التامة لأنها لما كانت متضادة كانت بحيث لو أعريت عن الواو لربما ظن أن وجودها لا على سبيل التمكن، فلا تكون محيطة بل مقيدة بحيثية مثلاً فجاءت الواو دلالة على تمكن الوصف وإحاطته وإنه واقع بكل اعتبار ليس واحد من الأوصاف مكملاً لشيء آخر ولا شارحاً لمعناه، فهو أول على الإطلاق وآخر كذلك، وظاهر حتى في حال بطونه وباطن كذلك، وهذا على الأصل فإن صفاته تعالى محيطة فلا إشكال، إنما الإشكال عند الخلو من العطف فهو الأغلب في إيرادها كما آخر الحشر، ولعل ذلك مراد الكشاف بقوله‏:‏ إن الواو الأولى معناها الدلالة على الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية، أي جمعاً هو في غاية المكنة، والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء، وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأولين ومجموع الصفتين الأخيرتين، فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية‏.‏ انتهى‏.‏

ولما كان من ظهر لشيء بطن عن غيره، ومن بطن لشيء غاب عنه علمه، وكان سبحانه في ظهوره على ذلك بمعنى أنه ليس فوقه شيء، وفي بطونه بحيث ليس دونه شيء، فقد جمعت الأوصاف إحاطة العلم والقدرة، أعلم نتيجة ذلك فقال‏:‏ ‏{‏وهو بكل شيء عليم *‏}‏ أي لكون الأشياء عنده على حد سواء، والبطون والظهور إنما هو بالنسبة إلى الخلق، وأما هو سبحانه فلا باطن من الخلق عنده بل هو في غاية الظهور لديه لأنه الذي أوجدهم، وهذا معنى ما قال البغوي رحمه الله تعالى‏:‏ سأل عمر رضي الله عنه كعباً عن هذه الآية فقال‏:‏ معناها أن علمه بالأول كعلمه بالآخر، وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن- انتهى‏.‏

لأن العلم يستلزم القدرة على حسبه‏.‏ ولما كان الصانع للشيء عالماً به، دل على علمه وما تقدم من وصفه بقوله‏:‏ ‏{‏هو‏}‏ أي وحده ‏{‏الذي خلق السماوات‏}‏ وجمعها لعلم العرب بتعددها ‏{‏والأرض‏}‏ أي الجنس الشامل للكل، أفردها لعدم توصلهم إلى العلم بتعددها ‏{‏في ستة أيام‏}‏ سناً للتأني وتقريراً للأيام التي أوترها سابعها الذي خلق فيه الإنسان الذي دل خلقه باسمه ‏{‏الجمعة‏}‏ على أنه المقصود بالذات وبأنه السابع على أنه نهاية المخلوقات- انتهى‏.‏

ولما كان تمكن الملك من سرير الملك كناية عن انفراده بالتدبير وإحاطة قدرته وعلمه، وكان ذلك هو روح الملك، دل عليه منبهاً على عظمته بأداة التراخي فقال‏:‏ ‏{‏ثم استوى‏}‏ أي أوجد السواء وهو العدل إيجاد من هو شديد العناية ‏{‏على العرش‏}‏ المحيط بجميع الموجودات بالتدبير المحكم للعرش وما دونه ومن دونه ليتصور للعباد أن العرش منشأ التدبير، ومظهر التقدير، كما يقال في ملوكنا‏:‏ جلس فلان على سرير الملك، بمعنى أنه انفرد بالتدبير، وقد لا يكون هناك سرير فضلاً عن جلوس‏.‏

ولما كان المراد بالاستواء الانفراد بالتدبير، وكان التدبير لا يصح إلا بالعلم والقدرة، كشفه بقوله دالاًّ على أن علمه بالخفايا كعلمه بالجلايا‏:‏ ‏{‏يعلم ما يلج‏}‏ أي يدخل دخولاً يغيب به ‏{‏في الأرض‏}‏ أي من النبات وغيره من أجزاء الأموات وغيرها وإن كان ذلك بعيداً من العرش، فإن الأماكن كلها بالنسبة إليه على حد سواء في القرب والبعد ‏{‏وما يخرج منها‏}‏ كذلك، وفي التعبير بالمضارع دلالة على ما أودع في الخافقين من القوى فصار بحيث يتجدد منهما ذلك بخلقه تجدد استمرار إلى حين خرابهما‏.‏

ولما قرر ذلك فيما قد يتوهم بعده لبعده عن العرش بسفوله تنبيهاً على التنزه عن التحيز فكان أولى بالتقديم، أتبعه قسيمه وهو جهة العلو تعميماً للعمل بسائر الخلق فقال‏:‏ ‏{‏وما ينزل من السماء‏}‏ ولم يجمع لأن المقصود حاصل بالواحدة مع إفهام التعبير بها الجنس السافل للكل، وذلك من الوحي والأمطار والحر والبرد وغيرهما من الأعيان والمنافع التي يوجدها سبحانه من مقادير أعمار بني آدم وأرزاقهم وغيرها من جميع شؤونهم ‏{‏وما يعرج‏}‏ أي يصعد ويرتقي ويغيب ‏{‏فيها‏}‏ كالأبخرة والأنوار والكواكب والأعمال وغيرها‏.‏

ولما كان من يتسع ملكه يغيب عنه علم بعضه لبعده عنه، عرف أنه لا مسافة أصلاً بينه وبين شيء من الأشياء فقال‏:‏ ‏{‏وهو معكم‏}‏ أي أيها الثقلان المحتاجان إلى التهذيب بالعلم والقدرة المسببين عن القرب ‏{‏أين ما كنتم‏}‏ فهو عالم بجميع أموركم وقادر عليكم تعالياً عن اتصال بالعلم ومماسة، أو انفصال عنه بغيبة أو مسافة، قال أبو العباس ابن تيمية في كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان‏:‏ لفظ «مع» لا يقتضي في لغة العرب أن يكون أحد الشيئين مختلطاً بالآخر لقوله

‏{‏اتقوا الله وكونوا مع الصادقين‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 119‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار‏}‏ ولفظ «مع» جاءت في القرآن عامة وخاصة، فالعامة ‏{‏ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 7‏]‏ فافتتح الكلام بالعلم واختتمه بالعلم، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل‏:‏ هو معهم بعلمه، وأما المعية الخاصة فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 128‏]‏ وقوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام‏:‏ ‏{‏إنني معكما أسمع وأرى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 46‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 40‏]‏ يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، فهو مع موسى وهارون عليهما السلام دون فرعون، ومع محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه رضي الله عنه دون أبي جهل وغيره من أعدائه، ومع الذين اتقوا والذين هم محسنون دون الظالمين المعتدين، فلو كان معنى المعية أنه بذاته في كل مكان تناقض الخبر الخاص والخبر العام، بل المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 84‏]‏ أي هو إله في السماء وإله في الأرض كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 27‏]‏ وكذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو الله في السماوات وفي الأرض‏}‏ كما فسره أئمة العلم كأحمد وغيره أنه المعبود في السماوات والأرض‏.‏

ولما كانت الأعمال منها ظاهر وباطن، عبر في أمرها باسم الذات دلالة على شمولها بالعلم والقدر وتنبيهاً على عظمة الإحاطة بها وبكل صفة من صفاته فقال‏:‏ ‏{‏والله‏}‏ أي المحيط بجميع صفات الكمال، وقدم الجارّ لمزيد الاهتمام والتنبيه على تحقق الإخاطة كما مضى التنبيه عليه غير مرة وتمثيله بنحو‏:‏ أعرف فلاناً ولا أعرف غيره؛ فقال‏:‏ ‏{‏بما تعملون‏}‏ أي على سبيل التجدد والاستمرار ‏{‏بصير *‏}‏ أي عالم بجلائله ودقائقه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 7‏]‏

‏{‏لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ‏(‏5‏)‏ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏6‏)‏ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ‏(‏7‏)‏‏}‏

ولما كان صانع الشيء قد لا يكون ملكاً، وكان الملك لا يكمل ملكه إلا بعلم جميع ما يكون في مملكته والقدرة عليه، وكان إنكارهم للبعث إنكاراً لأن يكون ملكاً، أكد ذلك بتكرير الإخبار به فقال‏:‏ ‏{‏له‏}‏ أي وحده ‏{‏ملك السماوات‏}‏ وجمع لاقتضاء المقام له ‏{‏والأرض‏}‏ أفرد لخفاء تعددها عليهم مع إرادة الجنس، ودل على دوام ملكه وإحاطته بقوله عاطفاً على ما تقديره‏:‏ فمن الله المبدأ، معبراً بالاسم الأعظم الجامع لئلا يظن الخصوص بأمور ما تقدم‏:‏ ‏{‏وإلى الله‏}‏ أي الملك الذي لا كفؤ له وحده ‏{‏ترجع‏}‏ بكل اعتبار على غاية السهولة ‏{‏الأمور *‏}‏ أي كلها حساً بالبعث ومعنى بالإبداء والإفناء، ودل على هذا الإبداء والإفناء بأبدع الأمور وأروقها فقال‏:‏ ‏{‏يولج‏}‏ أي يدخل ويغيب بالنقص والمحو ‏{‏الّيل في النهار‏}‏ فإذا قد قصر بعد طوله، وقد انمحى بعد تشخصه وحلوله، فملأ الضياء الأقطار بعد ذلك الظلام ‏{‏ويولج النهار‏}‏ الذي عم الكون ضياؤه وأناره لألاؤه ‏{‏في الّيل‏}‏ الذي قد كان غاب في علمه، فإذا الظالم قد طبق الآفاق، والطول، الذي كان له قد صار نقصاً‏.‏

ولما كان في هذا إظهار أخفى الأشياء حتى يصير في غاية الجلاء، أتبعه علم ما هو عند الناس أخفاء ما يكون فقال‏:‏ ‏{‏وهو‏}‏ أي وحده ‏{‏عليم‏}‏ أي بالغ العلم ‏{‏بذات الصدور *‏}‏ أي ما يصحبها فتخفيه فلا يخرج منها الهمزات على مدى الأيام على كثرة اختلافها وتغيرها وإن خفيت على أصحابها‏.‏

ولما قامت الأدلة على تنزيهه سبحانه عن شائبة كل نقص، وإحاطته بكل صفة كمال، المقتضي لثبوت أن الملك له، الموجب قطعاً لتفرده بعموم الإلهية، المقتضي لإرسال من يريده إلى جميع من في ملكه، وختم بالعلم بالضمائر التي أجلها الإيمان، قال آمراً بالإذعان له ولرسوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏آمنوا‏}‏ أي أيها الثقلان ‏{‏بالله‏}‏ أي الملك الأعظم الذي لا مثل له ‏{‏ورسوله‏}‏ الذي عظمته من عظمته‏.‏ ولما كان الإيمان أساساً، والإنفاق وجهاً ظاهراً ورأساً، قال جامعاً بين الأساس الحامل الخفي والوجه الظاهر الكامل البهي‏:‏ ‏{‏وأنفقوا‏}‏ أي في إظهار دينه‏:‏ ورغبهم في ذلك بطلب اليسير مما أعطاهم الله وزهدهم منه بقوله‏:‏ ‏{‏مما جعلكم‏}‏ أي بقدرته ‏{‏مستخلفين‏}‏ أي مطلوباً موجوداً خلافتكم ‏{‏فيه‏}‏ وهو له دونكم بما يرضي من استخلفكم في تمهيد سبيله فطيبوا بها نفساً لأنها ليست في الحقيقة لكم وإنما أنتم خزان، وخافوا من عزلكم من الخلافة بانتزاعها من أيديكم بتولية غيركم أمرها، إما في حياتكم، وإما بعد مماتكم، كما فعل بغيركم حين أوصل إليكم ما وصل من أموالهم، «فليس لكم منها إلا ما أكلتم فأفنيتم أو لبستم فأبليتم أو تصدقتم فأبقيتم- وفي رواية‏:‏ فأمضيتم»

وليهن الإنفاق منها عليكم كما يهون على الإنسان النفقة من مال غيره إذا كان أذن له فيه‏.‏

ولما أمر بالإنفاق ووصفه بما سهله، سبب عنه ما يرغب فيه فقال مبالغاً في تأكيد الوعد لما في ارتكابه من العسر بالتعبير عنه بالجملة الاسمية وبناء الحكم على الضمير بالوصف بالكبير وغير ذلك‏:‏ ‏{‏فالذين آمنوا‏}‏ وبين أن هذا خاص بهم لضيق الحال في زمانهم فقال‏:‏ ‏{‏منكم وأنفقوا‏}‏ أي من أموالهم في الوجوه التي ندب إليها على وجه الإصلاح كما دل عليه التعبير بالإنفاق ‏{‏لهم أجر كبير *‏}‏ أي لا تبلغ عقولكم حقيقة كبره فاغتنموا الإنفاق في أيام استخلافكم قبل عزلكم وإتلافكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 10‏]‏

‏{‏وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏8‏)‏ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏9‏)‏ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ‏(‏10‏)‏‏}‏

ولما رغب في الإنفاق والإيمان، وكان الإيمان مقتضى بالإنفاق، عجب ممن لا يبادر إلى الحاصل على كل خير، فقال مفصلاً لما أجمل من الترغيب فيهما، بادئاً بأبين كل خير، منفساً عنهم بالتعبير بأداة الاستقبال بالبشارة بالعفو عن الماضي مرهباً موبخاً لمن لا يبادر إلى مضمون ما دخل عليه الاستفهام، عاطفاً على ما تقديره‏:‏ فما لكم لا تبادرون إلى ذلك‏:‏ ‏{‏وما‏}‏ أي وأيّ شيء ‏{‏لكم‏}‏ من الأعذار أو غيرها في أنكم، أو حال كونكم ‏{‏لا تؤمنون بالله‏}‏ أي تجددون الإيمان- أي تجديداً مستمراً- بالملك الأعلى أي الذي له الملك كله ولأمر كله بعد سماعكم لهذا الكلام‏:‏ لأن «لا» لا تدخل على مضارع إلا وهو بمعنى الاستقبال، ولو عبر بعبارة تدل على الحال لربما تعنت متعنت فقال‏:‏ فأت ما طلب منا، والذي بعد هذا من الحال التي هي في معنى دالة على هذا، وهي قوله‏:‏ ‏{‏والرسول‏}‏ أي والحال أن الذي له الرسالة العامة ‏{‏يدعوكم‏}‏ صباحاً ومساء على ما له من مقتضيات القبول منه من حسن السمت وجلالة القدر وإظهار الخوارق وغير ذلك ‏{‏لتؤمنوا‏}‏ أي لأجل أن تجددوا الإيمان ‏{‏بربكم‏}‏ أي الذي أحسن تربيتكم بأن جعلكم من أمة هذه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وشرفكم به ‏{‏وقد‏}‏ أي والحال أنه قد ‏{‏أخذ ميثاقكم‏}‏ أي وقع أخذه فصار في غاية القباحة ترك ما وقع التوثق بسببه بنصب الأدلة والتمكين من النظر بإبداع العقول، وذلك كله منضم إلى أخذ الذرية من ظهر آدم عليه الصلاة والسلام وإشهادهم على أنفسهم وإشهاد الملائكة عليهم، وبنى الفعل للمفعول في قراءة أبي عمرو ليكون المعنى أيّ أخذ كان لأن الغدر عند الكرماء شديد من غير نظر إلى معين لا سيما العرب فكيف إذا كان الآخذ الملك الأعظم القادر على كل شيء العالم بكل شيء، ورسوله الذي تعظيمه من تعظيمه، كا صرحت به قراءة الجماعة بالبناء للفاعل ولا يخفى الإعراب، والحاصل أنهم نقضوا الميثاق في الإيمان، فلم يؤاخذهم حتى أرسل الرسل‏.‏

ولما حثهم على تجديد الإيمان على سبيل الاستمرار بالتعجب من ترك ذلك، وكان كل واحد يدعي العراقة في الخير، هيجهم وألهبهم بقوله‏:‏ ‏{‏إن كنتم‏}‏ أي جبلة ووصفاً ثابتاً ‏{‏مؤمنين *‏}‏ أي عريقين في وصف الإيمان، وهو الكون على نور الفطرة الأولى‏.‏

ولما وصفه بالربوبية، دل عليها بقوله‏:‏ ‏{‏هو‏}‏ أي وحده لا غيره ‏{‏الذي ينزل‏}‏ أي على سبيل التدريج والموالاة بحسب الحاجة‏.‏ ولما كان الخطاب في هذه السورة للمخلص، قال مضيفاً إلى ضميره غير مقرون بما يدل على الجلال والكبرياء ‏{‏على عبده‏}‏ أي الذي هو أحق الناس بحضرة جماله وإكرامه لأنه ما تعبد لغيره قط ‏{‏آيات‏}‏ أي علامات هي من ظهورها حقيقة بتأن يرجع إليها ويتقيد بها ‏{‏بينت‏}‏ جداً على ما له من النعوت التي هي في غاية الوضوح ‏{‏ليخرجكم‏}‏ أي الله أي عبده بما أنزل إليه مع أنه بشر مثلكم، والجنس إلى جنسه أميل ومنه أقبل، ولا سيما إن كان قريباً ولبيباً أريباً ‏{‏من الظلمات‏}‏ التي أنتم منغمسون فيها من الحظوظ والنقائص التي جبل عليها الإنسان والغفلة والنسيان، الحاملة على تراكم الجهل، فمن آتاه سبحانه العلم والإيمان فقد أخرجه نم هذه الظلمات التي طرأت عليه ‏{‏إلى النور‏}‏ الذي كان وصفاً لروحه وفطرته الأولى السليمة‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فإن الله به للطيف خبير، عطف عليه قوله مؤكداً لأجل زلزال من يطول به البلاء من المؤمنين وإنكار الكفار‏:‏ ‏{‏وإن الله‏}‏ أي الذي له صفات الكمال ‏{‏بكم‏}‏ قدم الجارّ لأن عظيم رحمته لهذه الأمة موجب لعد نعمته على غيرنا عدماً بالنسبة إلى نعمته علينا ‏{‏لرؤوف رحيم *‏}‏ أي كنتم بالنظر إلى رحمته الخاصة التي هي لإتمام النعمة صنفين‏:‏ منكم من كان له به وصلة بما يفعل في أيام جاهليته من الخيرات كالإنفاق في سبيل المعروف، وعبر بالإنفاق لكونه خيراً لا رياء ونحوه فيه كالصديق رضي الله عنه فعاد عليه، بعد عموم رحمته بالبيان، بخصوص رحمة عظيمة أوصلته إلى أعظم درجات العرفان، ومنكم من كان بالغاً في اتباع الهوى فابتدأه بعد عموم رحمة البيان بخصوص رحمة هداه بها إلى أعمال الجنان، وهي دون ما قبلها في الميزان، وفوقها من حيث إنها بدون سبب من المرحوم‏.‏

ولما أمرهم بالإيمان والإنفاق، وكان الإيمان مع كونه الأساس الذي لا يصح عمل بدونه ليس فيه شيء من خسران أو نقصان، فبدأ به لذلك، ورغب بختم الآية بالإشارة بالرأفة إلى أن من توصل إليه بشيء من الإيمان أو غيره زاده من فضله «من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً- إلى قوله‏:‏ ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» عطف عليه الترغيب في التوصل إليه بالإنفاق منكراً على من تركه موبخاً لمن حاد عنه هو يعلم أنه فان، مفهماً بزيادة «أن» المصدرية اللوم على تركه في جميع الأزمنة الثلاثة فقال‏:‏ ‏{‏وما‏}‏ أي وأيّ شيء يحصل ‏{‏لكم‏}‏ في ‏{‏ألا تنفقوا‏}‏ أي توجدوا الإخراج للمال ‏{‏في سبيل الله‏}‏ أي في كل ما يرضي الملك الأعظم الذي له صفات الكمال لتكون لكم به وصلة فيخصكم بالرأفة التي هي أعظم الرحمة، فإنه أم بخل به أحد عن وجه خير إلا سلط الله عليه غرامة في وجه شر، وأظهر موضع الإضمار في جملة حالية باعثاً على الإنفاق بأبلغ بعث فقال‏:‏ ‏{‏ولله‏}‏ تأكيداً للعظمة بالندب إلى ذلك باستحضار جميع صفات الكمال لا سيما صفة الإرث المقتضية للزهد في الموروث ‏{‏ميراث‏}‏ أي الإرث والموروث والموروث عنه وغير ذلك ‏{‏السماوات والأرض‏}‏ جميعاً لا شيء فيهما أو منهما إلا هو كذلك يزول عن المنتفع به ويبقى لله بقاء الإرث، ومن تأمل أنه زائل هو وكل ما في يده والموت من ورائه، ويد طوارق الحوادث مطبقة به، وعما قليل ينقل ما في يده إلى غيره هان عليه الجود بنفسه وماله‏.‏

ولما رغبهم في الإنفاق على الإطلاق، رغبهم في المبادرة إليه، مادحاً أهله خاصاً منهم أهل السياق فقال‏:‏ ‏{‏لا يستوي‏}‏‏.‏ ولما كان المراد أهل الإسلام بين بقوله‏:‏ ‏{‏منكم من أنفق‏}‏ أي أوجد الإنفاق في ماله وجميع قواه وما يقدر عليه‏.‏ ولما كان المقصود الإنفاق في زمان الإيمان لا مطلق الزمان، خص بالجارّ فقال‏:‏ ‏{‏من قبل الفتح‏}‏ أي الذي هو فتح جميع الدنيا في الحقيقة وهو فتح مكة الذي كان سبباً لظهور الدين على الدين كله لما نال المنفق إذ ذاك بالإنفاق من كثرة المشاق لضيق المال حينئذ، وذلك مستلزم لكون المنفق أنفذ بصيرة ونفقته أعظم غنّى وأشد نفعاً، وفيه دليل على فضل أبي بكر رضي الله عنه فإنه أول من أنفق ولم يسبقه في ذلك أحد، وفيه نزلت الآية- كما حكاه البغوي عن الكلبي‏.‏

ولما كان المراد بالإيمان خدمة الرحمة، وكان الإنفاق وإن كان مصدقاً للإيمان لا يكمل تصديقه إلا ببذل النفس قال‏:‏ ‏{‏وقاتل‏}‏ أي سعياً في إنفاق نفسه لمن آمن به، وحذف المنفي للتسوية به وهو من لم ينفق مطلقاً أو بقيد القبلية لدلالة ما بعده، ولعله أفرد الضمير إشارة إلى قلة السابقين‏.‏

ولما كان نفي المساواة لا يعرف منها الفاضل من غيره، وقد كان حذف قسيم من أنفق لوضوحه والتنفير منه ودلالة ما بعده عليه، نفى اللبس بقوله‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ أي المنفقون المقاتلون وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، المقربون من أهل الرتبة العية لمبادرتهم إلى الجود بالنفس والمال ‏{‏أعظم درجة‏}‏ وبعظم الدرجة يكون عظم صاحبها ‏{‏من الذين أنفقوا‏}‏ ولما كان المراد التفضيل على أوجد الإنفاق والقتال في زمان بعد ذلك، لا على من استغرق كل زمان بعده بالإنفاق والقتال أدخل الجار فقال‏:‏ ‏{‏من بعد وقاتلوا‏}‏ ولما كان التفضيل مفهماً اشتراك الكل في الفضل، صرح به ترغيباً في الإنفاق على كل حال فقال‏:‏ ‏{‏وكلاًّ‏}‏ أي من القسمين ‏{‏وعد الله‏}‏ أي الذي له الجلال والكمال والإكرام ‏{‏الحسنى‏}‏ أي الدرجة التي هي غاية الحسن وإن كانت في نفسها متفاوتة، وقرأ ابن عامر ‏{‏وكل‏}‏ وهو أوفق لما عطف عليه‏.‏

ولما كان زكاء الأعمال إنما هو بالنيات، وكان التفضيل مناط العلم، قال مرغباً في إحسان النيات مرهباً من التقصير فيها‏:‏ ‏{‏والله‏}‏ أي الذي له الإحاطة الشاملة بجميع صفات الكمال، وقدم الجار إعلاماً بمزيد اعتناء بالتمييز عند التفضيل فقال‏:‏ ‏{‏بما تعملون‏}‏ أي تجددون عمله على مر الأوقات ‏{‏خبير *‏}‏ أي عالم بباطنه وظاهره علماً لا مزيد عليه بوجه، فهو يجعل جزاء الأعمال على قدر النيات التي هي أرواح صورها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 12‏]‏

‏{‏مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ‏(‏11‏)‏ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏12‏)‏‏}‏

ولما فضل السابقين بالإنفاق، ووعد بالحسنى اللاحقين بحسن الاتباع، وأشار إلى أنه ربما ألحقهم ببعضهم بصفاء الإخلاص فتوفرت الدواعي على البذل، أثمر ذلك قوله مسيماً الصدقة التي صورتها صورة إخراج من غير عوض باسم القرض الذي هو إخراج بعوض ترغيباً فيها لما أعد عليها من الجزاء المحقق فكيف إذا كان مضاعفاً‏:‏ ‏{‏من‏}‏ وأكد بالإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏ذا‏}‏ لأجل ما للنفوس من الشح ‏{‏الذي يقرض الله‏}‏ أي يعطي الذي له جميع صفات الجلال والإكرام بإعطاء المستحق لأجله عطاء من ماله هو على صورة القرض لرجائه الثواب ‏{‏قرضاً حسناً‏}‏ أي طيباً خالصاً فيه متحرياً به أفضل الوجوه طيبة به النفس من غير من ولا كدر بتسويف ونحوه‏.‏

ولما كان ما يعطي الله المنفق من الجزاء مسبباً عن إنفاقه، ربطه بالفاء فقال عطفاً على ‏{‏يقرض‏}‏‏:‏ ‏{‏فيضاعفه له‏}‏ مرغباً فيه بجعله مبالغاً بالتضعيف أولاً وجعله من باب المفاعلة ثانياً، وكذا التفضيل في قراءة ابن كثير وابن عامر ويعقوب ‏{‏فيضعفه‏}‏ وقرأه ابن عامر ويعقوب بالنصب جواباً للاستفهام تأكيداً للربط والتسبيب‏.‏ ولما كانت المضاعفة منه سبحانه لا يعلم كنهها إلى هو قال‏:‏ ‏{‏وله‏}‏ أي المقرض من بعد ما تعقلونه من المضاعفة زيادة على ذلك ‏{‏أجر‏}‏ لا يعلم قدره إلى الله، وهو معنى وصفه بقوله‏:‏ ‏{‏كريم *‏}‏ أي حسن طيب زاك نام‏.‏

ولما بين ما لهذا المقرض، بين بعض وصفه بالكرم ببيان وقته فقال‏:‏ ‏{‏يوم‏}‏ أي لهم ذلك في الوقت الذي ‏{‏ترى‏}‏ فيه بالعين، وأشار إلى أن المحبوب من المال لا يخرج عنه ولا سيما مع الإقتار إلا من وقر الدين في قلبه بتعبيره بالوصف فقال‏:‏ ‏{‏المؤمنين والمؤمنات‏}‏ أي الذي صار الإيمان لهم صفة راسخة ‏{‏يسعى‏}‏ شعاراً لهم وأمارة على سعادتهم ‏{‏نورهم‏}‏ الذي يوجب إبصارهم لجميع ما ينفعهم فيأخذوه وما يضرهم فيتركوه، وذلك بقدر أعمالهم الصالحة التي كانوا يعملونها بنور العلم الذي هو ثمرة الإيمان كما أنهم قدموا المال الذي إنما يقتنيه الإنسان لمثل ذلك جزاء وفاقاً‏.‏

ولما كان من يراد تعظيمه يعطى ما يجب وما بعده شريفاً ‏(‏‏؟‏‏)‏ في الأماكن التي يحبها قال‏:‏ ‏{‏بين أيديهم‏}‏ أي حيث ما توجهوا، ولذلك حذف الجار ‏{‏وبأيمانهم‏}‏ أي وتلتصق بتلك الجهة لأن هاتين الجهتين أشرف جهاتهم، وهم إما من السابقين، وإما من أهل اليمين، ويعطون صحائفهم من هاتين الجهتين، والشقي بخلاف ذلك لا نور له ويعطى صحيفته بشماله ومن وراء ظهره، فالأول نور الإيمان والمعرفة والأعمال المقولة، والثاني نور الإنفاق لأنه بالإيمان- نبه- عليه الرازي‏.‏

ولما ذكر نفوذهم فيما يحبون من الجهات وتيسيره لهم، أتبعه ما يقال لهم من المحبوب في سلوكهم لذلك المحبوب فقال‏:‏ ‏{‏بشراكم اليوم‏}‏ أي بشارتكم العظيمة في جميع ما يستقبلكم من الزمان‏.‏

ولما تشوفوا لذلك أخبروا بالمبشر به بقوله مخبراً إشارة إلى أن المخبر به يحسد من البشرى لكونه معدن السرور ‏{‏جنات‏}‏ أي كائنة لكم تتصرفون فيها أعظم تصرف، والخبر في الأصل دخول، ولكنه عدل عنه لما ذكر من المبالغة ثم وصفها بما لا تكمل اللذة إلا به فقال؛ ‏{‏تجري‏}‏ وأفهم القرب بإثبات الجارّ فقال‏:‏ ‏{‏من تحتها الأنهار‏}‏ ولما كان ذلك لا يتم مع خوف الانقطاع قال‏:‏ ‏{‏خالدين فيها‏}‏ خلوداً لا آخر له لأن الله أورثكم ذلك ما لا يورث عنكم كما كان حكام الدنيا لأن الجنة لا موت فيها‏.‏ ولما كان هذا أمراً سارّاً في ذلك المقام الضنك محباً بأمر استأنف مدحه بقوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أي هذا الأمر العظيم جداً ‏{‏هو‏}‏ أي وحده ‏{‏الفوز العظيم *‏}‏ أي الذي ملأ بعظمته جميع الجهات من ذواتكم وأبدانكم ونفوسكم وأرواحكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 15‏]‏

‏{‏يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ‏(‏13‏)‏ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ‏(‏14‏)‏ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏15‏)‏‏}‏

ولما عظم هذا الأجر الكريم ببيان ما لأهله في الوقت الكائن فيه، عظمه بما لأضدادهم من النكال، فقال مبدلاً من الظرف الأول‏:‏ ‏{‏يوم يقول‏}‏ أي قولاً مجدداً يلجئ إليه من الأمور العظيمة الشاقة ‏{‏المنافقون والمنافقات‏}‏ أي بالعراقة في إظهار الإيمان وإبطان الكفران ‏{‏للذين آمنوا‏}‏ أي ظاهراً وباطناً، وأما من علا من هذا السن من المؤمنين ومن فوقهم فالظاهر أنهم لا يرونهم ليطمعوا في مناداتهم «وأين الثريا من يد المتناول» ‏{‏انظرونا‏}‏ أي انظرونا بأن تمكثوا في مكانكم لنلحق بكم، وكأن الفعل جرد في قراءة الجماعة لاقتضاء الحال الإيجاز بغاية ما توصل المقدرة إليه خوف الفوت، لأن المسؤولين يسرعون إلى الجنة كالبرق الخاطف، وقد حققت المعنى قراءة حمزة بقطع الهمزة وكسر الظاء أي أخرونا في المشي وتأنوا علينا وأمهلوا علينا، لا تطلبوا منا السرعة فيه بل امكثوا في مكانكم لننظر في أمرنا كيف نلحق بكم، والحاصل أنهم عدوا تأنيهم في المشي وتلبثهم ليلحقوا بهم إنظاراً لهم ‏{‏نقتبس‏}‏ أي نأخذ ونصيب ونستصبح ‏{‏من نوركم‏}‏ أي هذا الذي نراه لكم ولا يلحقنا منه بشيء كما كنا في الدنيا نرى إيمانكم بما نرى من ظواهركم ولا نتعلق من ذلك بشيء جزاء وفاقاً، وسبب هذا القول أنهم يعطون مع المؤمنين نوراً خديعة لهم بما خادعوا في الدنيا لتعظم عليهم المشقة بفقده لأنه لا يلبث أن يبعث الله عليهم ريحاً وظلمة فتطفئ نورهم ويبقون في الظلمة، وإلى ذلك ينظر قول المؤمنين ‏{‏أتمم لنا نورنا‏}‏ أي لا تطفئه كما أطفأت نور المنافقين‏.‏

ولما كان المنكئ لهم إنما هو الرد من أي قائل كان، بنى للمفعول قوله‏:‏ ‏{‏قيل‏}‏ أي لهم جواباً لسؤالهم قول رد وتوبيخ وتهكم وتنديم‏:‏ ‏{‏ارجعوا وراءكم‏}‏ أي في جميع جهات الوراء التي هي أبعد الجهات عن الخير كما كنتم في الدنيا لا تزالون مرتدين على أعقابكم عما يستحق أن يقبل عليه ويسعى إليه ‏{‏فالتمسوا‏}‏ بسبب ذلك الرجوع ‏{‏نوراً‏}‏ ويصح أن يراد بالوراء الدنيا لأن هذا النور إنما هو منها بسبب ما عملوا فيها من الأعمال الزاكية والمعارف الصافية، ولهذا قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب المحبة من الإحياء‏:‏ إن هذه الآية تدل على أن الأنوار لا بد أن يتجدد أصلها في الدنيا ثم يزداد في الآخرة إشراقاً فأمّا أن يتجدد ثَمَّ نور فلا‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فرجعوا أو فأقاموا في الظلمة، سبب عنه وعقب قوله‏:‏ ‏{‏فضرب‏}‏ مبنياً للمفعول على نحو الأول، ولإفادة أن الضرب كان في غاية السرعة والسهولة، ويجوز أن تكون الفاء معقبة على ما قبله من غير تقدير ‏{‏بينهم‏}‏ أي في جميع المسافة التي بين الذين آمنوا وأضدادهم في وقت قولهم هذا‏.‏

ولما كان المقصود أن ضربه كان في غاية السرعة، لم يوقع الفعل وأتى بالفاء ليفيد أنه كان كأنه عصاً ضربت به الأرض ضربه واحدة، فقال‏:‏ ‏{‏بسور‏}‏ أي جدار محيط محيل بين الجنة والنار لا يشذ عنه أحد منهم ولا يقدر أحد ممن سواهم أن يتجاوزه إليهم ‏{‏له باب‏}‏ موكل به حجاب لا يفتحون إلا لمن أذن الله له من المؤمنين بما يهديهم إليه من نورهم الذي بين أيديهم لشفاعة أو نحوها ‏{‏باطنه‏}‏ أي ذلك السور الباب وهو الذي من جهة الذين آمنوا جزاء لإيمانهم الذي هو غيب ‏{‏فيه الرحمة‏}‏ وهي ما لهم من الكرامة بالجنة التي هي ساترة ببطن من فيها بأشجارها وبأسبابها كما كانت بواطنهم ملاء رحمة ‏{‏وظاهره‏}‏ أي السور أو الباب الذي يظهر لأهل النار، مبتدئ ‏{‏من قبله‏}‏ أي تجاه ذلك الظاهر وناحيته وجهته وعنده ‏{‏العذاب *‏}‏ من النار ومقدماتها لاقتصار أهله على الظواهر من غير أن يكون لهم نفوذ إلى باطن وعكس ما أرادوا من حفظ ظواهرهم في الدنيا مع فساد بواطنهم، ودل على ما أفهمه التعبير بالمضارع في «يقول» من التكرير بقوله استئنافاً‏:‏ ‏{‏ينادونهم‏}‏ أي المنافقون والمنافقات، يواصلون النداء وهم في الظلمة للذين آمنوا يترفقون لهم في مدة هذا القول والضرب‏:‏ ‏{‏ألم نكن‏}‏ أي بكليتنا ‏{‏معكم‏}‏ أي فيما كنتم فيه من الدين فنستحق المشاركة فيما صرتم إليه بسبب ذلك الدين الذين كنا معكم فيه ‏{‏قالوا‏}‏ أي الذين آمنوا ‏{‏بلى‏}‏ قد كنتم معنا ‏{‏ولكنكم فتنتم‏}‏ أي كنتم بما كان لكم من الذبذبة تختبرون ‏{‏أنفسكم‏}‏ فتخالطونها باختبار أحوال الدين مخالطة محيلة لها مميلة عما كانت عليه من أصل الفطرة من الاستقامة، تريدون بذلك أن تظهر لكم فيه أمور محسوسة لتخلصوا فيه من الشكوك فتخلصوا، فما آمنتم بالغيب فأهلكتموها وتبعتم أيضاً الأمور التي كنتم تفتنون بها من الشهوات، فأوجبتهم لكم الإعراض عن المعالي الباطنات ‏{‏وتربصتم‏}‏ أي كلفتم أنفسكم أن أخرجتموها عن الفطرة الأولى فأمهلتم وانتظرتم لتروا الأمر عياناً أو لم تفعلوا كما فعلنا من الإيمان بالغيب وترك التجربة ونسبة ما يحصل لنا مما فيه فتنة إلى أنفسنا بتقصيرنا، وكنا كلما حصل لنا ما يزلزل نقول‏:‏ هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله ولا يزيدنا ذلك إلاّ إيماناً وتسليماً وانتظرتم أيضاً الدوائر بأهل الإيمان لتظهروا النفاق ‏{‏وارتبتم‏}‏ أي شككتم بتكليف أنفسكم الشك بذلك التربص ‏{‏وغرتكم الأماني‏}‏ أي ما تتمنون أي تريدون وتقدرون من الإرادات التي معها شهوة عظيمة من الأطماع الفارغة التي لا سبب لها غير شهوة النفس إياها بما كنتم تتوقعون لنا من دوائر السوء ‏{‏حتى جاء أمر الله‏}‏ أي قضاء الملك المتصف بجميع صفات الكمال فلا كفوء له ولا خلف لقوله من الموت ومقدمات من الأمور الدهشة، فكما كنتم في الدنيا مقصرين كنتم في هذا الموطن ‏{‏وغركم بالله‏}‏ أي الملك الذي له جميع العظمة، فهو بحيث لا يخلف الميعاد وهو الولي الودود ‏{‏الغرور‏}‏ أي من لا صنع له إلا الكذب وهو الشيطان وهو العدو الحسود، فإنه ينوع لكم بغروره التسويف ويقول‏:‏ إن الله غفور رحيم وعفو كريم، وماذا عسى أن تكون ذنوبكم عنه وهو عظيم ومحسن وحليم ونحو هذا، فلا يزال حتى يوقع الإنسان، فإذا أوقع واصل عليه مثل ذلك حتى يتمادى، فإذا تمادى صار الباعث له حينئذ من قبل نفسه فصار طوع يده‏.‏

ولما أقروا لهم بالكون الجامع، وذكروا ما حصل به والفرق المانع فظهر أن لا كون، سببوا عنه قولهم‏:‏ ‏{‏فاليوم‏}‏ أي بسبب أفعالكم تلك ‏{‏لا يؤخذ‏}‏ بناء للمفعول لأن الضار عدم الأخذ لا كونه من آخذ معين وليفيد سد باب الأخذ مطلقاً ‏{‏منكم فدية‏}‏ أي نوع من أنواع الفداء وهو البدل والعضو للنفس على أي حال من قلة أو كثرة أو حسن أو غيره لأن الإله غني وقد فات محل العمل الذي شرعه لإنقاذ أنفسكم‏.‏ ولما كانوا مكذبين أكد فقال‏:‏ ‏{‏ولا من الذين كفروا‏}‏ أي أظهروا كفرهم ولم يستروه كما سترتموه أنتم لمساواتكم لهم في الكفر‏.‏ ولما كان كأنه قيل‏:‏ فأين نكون‏؟‏ قال‏:‏ ‏{‏مأواكم‏}‏ أي منزلكم ومسكنكم ومجمعكم ‏{‏النار‏}‏ لا مقر لكم غيرها، تحرقكم كما كنتم تحرقون قلوب الأولياء بإقبالكم على الشهوات، وإضاعتكم حقوق ذوي الحاجات، وأكد ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏هي‏}‏ أي لا غيرها ‏{‏مولاكم‏}‏ أي قرينتكم وموضع قربكم ومصيركم وناصركم على نحو «تحية بينهم ضرب وجيع» فهي أولى لكم، لا قرب لكم إلى غيرها، ولا غيرها مولى ولا مصير إلى سواها ولا ناصر إلا هي‏.‏ ولما كان التقدير‏:‏ فبئس المولى هي، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏وبئس المصير *‏}‏ أي هذه النار التي صرتم إليها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 17‏]‏

‏{‏أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ‏(‏16‏)‏ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

ولما كان هذا وعظاً شافياً لسقام القلوب، وكاشفاً لغطاء الكروب، انتج قوله حاثاً على الإقبال على كتابه الذي رحم به عباده بإنزاله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم على وجه معلم بإعجازه أنه كلام مستعطفاً لهم إلى جنابه زاجراً لهم عما سألهم بعضهم فيه سلمان رضي الله عنه من أن يحدثهم عن التوراة والإنجيل، فكانوا كلما سألوه عن شيء أنزل سبحانه آية يزجرهم بها وينبههم على أن هذا القرآن فيه كل ما يطلب إلى أن أنزل هذه الآية زاجرة هذا الزجر العظيم لئلا يظن ظان أن القرآن غير كاف، مخوفاً لهم بما وقع لأهل الكتاب من الإعراض عن كتابهم، قال الكلبي نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ إن الله استبطأ قلوب المؤمنين على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، فقال‏:‏ ‏{‏ألم يأن‏}‏ أي يحن وينتهي ويدرك إلى غاية ‏{‏للذين آمنوا‏}‏ أي أقروا بالإيمان بألسنتهم صدقاً أو كذباً ‏{‏أن تخشع‏}‏ أي أن يكون لهم رتبة عالية في الإيمان بأن تلين وتسكن وتخضع وتذل وتطمئن فتخبت فتعرض عن الفاني وتقبل على الباقي ‏{‏قلوبهم لذكر الله‏}‏ أي الملك الأعظم الذي لا خير إلا منه فيصدق في إيمانه من كان كاذباً ويقوى في الدين من كان ضعيفاً، فلا يطلب لذلك دينه دواء ولا لمرض قلبه شفاء في غير القرآن، فإن ذكر الله يجلو أصداء القلوب ويصقل مرائيها‏.‏

ولما كان الذكر وحده كافياً في الخشوع والإنابة والخضوع لأنه مجمع لكل رغبة ومنبع لكل رهبة، وكان من الناس من لا نفوذ له فيما له سبحانه من الجلال والإكرام قال‏:‏ ‏{‏وما نزل‏}‏ أي الله تعالى بالتدريج- على قراءة الجماعة بالتشديد، وما وجد إنزاله من عند الله على خاتم رسله صلى الله عليه وسلم على قراءة نافع وحفص عن عاصم ورويس بخلف عنه عن يعقوب بالتخفيف ‏{‏من الحق‏}‏ أي من الوعد والوعيد والوعظ وغير ذلك على نبيكم صلى الله عليه وسلم من القرآن إشارة إلى أن غير هذا الذكر دخله الدخيل، وأما هذا فثابت ثباتاً لا يقدر أحد على إزالته‏.‏

ولما كان للمسابقة والمنافسة أمر عظيم في تحريك الهمم لأهل الأنفة وأولي المعالي قال‏:‏ ‏{‏ولا يكونوا كالذين‏}‏ ولما كان العلم بمجرده كافياً في إعلاء الهمة فكيف إذا كان من عند الله فكيف إذا كان بكتاب، إشارة إلى ذلك بالبناء للمجهول فقال‏:‏ ‏{‏أوتوا الكتاب‏}‏ أي لو كان الإتيان من عند غير الله لكان جديراً بالهداية فكيف وهو من عنده‏.‏ ولما كان إنزال الكتب لم يكن إلا على بني إسرائيل فلم يكن مستغرقاً للزمان الماضي أدخل الجارّ فقال‏:‏ ‏{‏من قبل‏}‏ أي قبل ما نزل إليكم وهم اليهود والنصارى‏.‏

ولما كانوا في كل قليل يعبرون قال عاطفاً على ‏{‏أوتوا الكتاب‏}‏‏:‏ ‏{‏فطال عليهم الأمد‏}‏ أي الزمان الذي ضربناه لشرفهم ومددناه لعلوهم من أول إيتائهم الكتاب الذي من شأنه ترقيق القلوب، والأمد الأجل، وكل منهما يطلق على المدة كلها وعلى آخرها، وكذا الغاية بقول النحاة‏:‏ «من» لابتداء الغاية و«إلى» لانتهائها، والمراد جميع المدة ‏{‏فقسمت‏}‏ أي بسبب الطول ‏{‏قلوبهم‏}‏ أي صلبت واعوجت حتى كانت بحيث لا تنفعل للطاعات والخير فكانوا كل قليل في تعنت شديد على أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام يسألونهم المقترحات، وأما بعد ايتائهم فأبعدوا في القساوة، فمالوا إلى دار الكدر بكلياتهم وأعرضوا عن دار الصفاء فانجروا إلى الهلاك باتباع الشهوات، قال القشيري‏:‏ وقسوة القلب إنما تحصل من اتباع الشهوة وإن الشهوة والصفوة لا تجتمعان‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فبعضهم ثبت على تزلزل، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏وكثير منهم‏}‏ أخرجته قساوته عن الدين أصلاً ورأساً فهم ‏{‏فاسقون *‏}‏ أي عريقون في وصف الإقدام على الخروج من دائرة الحق التي عداها لهم الكتاب، وعن عبد الله بن الزبير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال‏:‏ «لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلاّ أربع سنين» رواه الطبراني في الكبير، قال الهيثمي‏:‏ وفيه موسى بن يعقوب الربعي وثقه ابن معين وغيره وضعفه ابن المديني وبقية رجاله رجال الصحيح‏.‏ انتهى‏.‏

ولما كان الموجب الأعظم للقسوة إنكار البعث، وكان العرب يزيدون على أهل الكتاب من موجبات القسوة به، وكان عمل العامل بما يدل على القسوة عمل من ينكره، قال مهدداً به مقرراً لما ابتدأ به السورة من أمر الإحياء مشيراً إلى القدر على إحياء القلوب ممثلاً لإزالة القسمة عنها بصقل الذكر والتلاوة ترغيباً في إدامة ذلك‏:‏ ‏{‏اعلموا‏}‏ أي يا من آمن بلسانه ‏{‏أن الله‏}‏ أي الملك الأعظم الذي له الكمال كله فلا يعجزه شيء ‏{‏يحيي‏}‏ أي على سبيل التجديد والاستمرار كما تشاهدونه ‏{‏الأرض‏}‏ اليابسة بالنبات‏.‏ ولما كان هذا الوصف ثابتاً دائماً بالفعل وبالقوة أخرى، وكان الجار هنا مقتضياً للتعميم قال‏:‏ ‏{‏بعد موتها‏}‏ من غير ذكر الجارّ وكما أنه يحييها فيخرج بها النبات بعد أن كان قد تفتت وصار تراباً فكذلك يحيي بجمع أجسامهم وإفاضة الأرواح كما فعل بالنبات وكما فعل بالأجسام أول مرة سواء، لا فرق بوجه إلا بأن يقال‏:‏ الابتداء أصعب في العادة، فاحذروا سطوته واخشوا غضبه وارجوا رحمته لإحياء القلوب، فإنه قادر على إحيائها بروح الوحي كما أحيا الأرض بروح الماء لتصير بإحيائها بالذكر خاشعة بعد قسوتها كما صارت الأرض بالماء رابية بعد خشوعها وموتها‏.‏

ولما انكشف الأمر بهذا غاية الانكشاف، أنتج قوله‏:‏ ‏{‏قد بينا‏}‏ أي على ما لنا من العظمة، ولما كان العرب يفهمون من لسانهم ما لا يفهم غيرهم فكانوا يعرفون- من إعجاز القرآن بكثرة فوائده وجلالة مقاصده ودقة مسالكه وعظمة مداركه، وجزالة تراكيبه ومتانة أساليبه وغير ذلك من شؤونه وأنواعه وفنونه، المنتج لتحقق أنه كلام الله- ما لا يعلمه غيرهم فكأنما كانوا مخصوصين بهذا البيان، فقدم الجارّ فقال‏:‏ ‏{‏لكم الآيات‏}‏ أي العلامات المنيرات‏.‏ ولما كان السياق للبعث، وكان من دعائم أصول الدين، وكان العقل كافياً في قياسه على النبات، وكان الفعل الذي لا يعود إلى سعادة الآخرة ناقصاً «، وكان العقل الذي لا ينجي صاحبه مساوياً للعدم، قال معبراً بأداة التراخي بخلاف ما سبق في آل عمران فإنه من مصالح النفس التي اختفت، ودواع تدعو إلى فهمها، وتبعث إلى إتقان علمها ‏{‏لعلكم تعقلون *‏}‏ أي لتكونوا عند من يعلم ذلك ويسمعه من الخلائق على رجاء من حصول العقل لكم بما يتجدد لكم من فهمه على سبيل التواصل الدار بالاستمرار‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 20‏]‏

‏{‏إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ‏(‏18‏)‏ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ‏(‏19‏)‏ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ‏(‏20‏)‏‏}‏

ولما كانت الصدقة كالبذر الذي تقدم أن الله تعالى يحييه ويضاعفه أضعافاً كثيرة على حسب زكاء الأرض، قال منتجاً مما مضى ما يعرف أن من أعظم ما دل على الخشوع المحثوث عليه والبعد عن حال الذين أوتوا الكتاب في القسوة الصدقة بالإنفاق الذي قرنه في أولها بالإيمان، وحث عليه في كثير من آياتها تنبيهاً على أنه ثمرته التي لا تخلف عنه، معبراً عنه بما يرشد إلى أنه المصدق لدعواه، وأكده لمن يشك في البعث من إنكار بركة الصدقة عاجلاً أو آجلاً تقيداً بالمحسوسات‏:‏ ‏{‏إن المصدقين‏}‏ أي العريقين في هذا الوصف من الرجال ‏{‏والمصدقات‏}‏ أي من النساء بأموالهم على الضعفاء الذين إعطاؤهم يدل على الصدق في الإيمان لكون المعطى لا يرجى منه نفع دنيوي، ولعله أدغم إشارة إلى إخفاء الإكثار من الصدقة حتى تصير ظاهرة، وقراءة ابن كثير وأبي بكر عن عاصم بالتخفيف تدل مع ذلك على التصديق بالإيمان، فكل من القراءات يدل عليهما، ومن التفصيل بذكر النوعين تعرف شدة الاعتناء‏.‏

ولما كانت صيغة التفعل تدل على التكلف حثاً على حمل النفس على التطبع بذلك حتى يصير لها خلقاً في غاية الخفة عليها فقال عاطفاً على صلة الموصول في اسم الفاعل معبراً بالماضي بعد إفهام الوصف الثبات دلالة على الإيقاع بالفعل عطفاً على ما تقديره موقعاً ضميراً المذكر على الصنفين تغليباً الذين صدقوا إيمانهم بالتصدق‏:‏ ‏{‏وأقرضوا الله‏}‏ الذي له الكمال كله بتصديقهم سواء كانوا من الذكور أو الإناث، وإنفاقهم في كل ما ندب إلى الإنفاق فيه، وأكد ووصف بقوله‏:‏ ‏{‏قرضاً حسناً‏}‏ أي بغاية ما يكون من طيب النفس وإخلاص النية في الصدقة والنفقة في سبيل الخير، وحسنه أن يصرف بصره إلى النظر إلى فعله والامتياز به وطلب العوض عليه، قال الرازي‏:‏ ‏{‏يضاعف‏}‏ أي ذاك القرض ‏{‏لهم‏}‏ ويثابون بحسب تلك المضاعفة لأن الذي كان القرض له سبحانه حليم كريم ولا يرضى في الخير إلا بالفضل، وثقل في قراءة ابن كثير وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب دلالة على المبالغة في التكثير، وعبر بالمفاعلة في قراءة الجماعة لإفهام أن تلك الكثرة مما لا بد من كونه، وأنه عمل فيه عمل من يباري آخر ويغالبه، وبنى للمفعول دلالة على باهر العظمة اللازم عنه كونه بغاية السهولة ‏{‏ولهم‏}‏ أي مع المضاعفة ‏{‏أجر كريم *‏}‏ أي لا كدر فيه بانقطاع ولا قلة ولا زيادة بوجه من الوجوه أصلاً‏.‏

ولما بين سبحانه وتعالى أن الصدقة كالبذر الذي هو من أحسن الأرباح وأبهجها، بين الحامل عليها ترغيباً فيها، فقال عاطفاً بالواو، إشارة إلى التمكن في جميع هذه الصفات‏:‏ ‏{‏والذين آمنوا‏}‏ اي أوجدوا هذه الحقيقة العظيمة في أنفسهم ‏{‏بالله‏}‏ أي الملك الأعلى الذي له الجلال والإكرام ‏{‏ورسله‏}‏ اي كلهم لما لهم من النسبة إليه، فمن كذب بشيء على أحد منهم أوعمل عمل المكذب له لم يكن مؤمناً به ‏{‏أولئك‏}‏ أي الذين لهم الرتب العالية والمقامات السامية ‏{‏هم‏}‏ أي خاصة لا غيرهم ‏{‏الصديقون‏}‏ أي الذين هم في غاية الصدق والتصديق لما يحق له أن يصدقه من سمعه، وقال القشيري‏:‏ الصديق من استوى ظاهره وباطنه، ويقال‏:‏ هو الذي يحمل الأمر على الأشق ولا ينزل إلى الرخص، ولا يحتاج للتأويلات، ولما كان الصديق لا يكون عريقاً في الصديقية إلا بالتأهيل لرتبة الشهادة قال تعالى‏:‏ ‏{‏والشهداء‏}‏ معبراً بما مفرده شهيد عاطفاً بالواو إشارة إلى قوة التمكن في كل من الوصفين، قال القشيري‏:‏ هم الذين يشهدون بقلوبهم بواطن الوصل ويعتكفون بأسرارهم في أوطان القربة، وزاد المر عظماً بقوله‏:‏ ‏{‏عند ربهم‏}‏ أي الذي أحسن إليهم بالقربة بمثل تلك الرتبة العالية من الشهادة لله بكل ما أرسل به رسله، والأنبياء الماضين على أممهم والحضور في جميع الملاذ بالشهادة في سبيل الله، قال مجاهد‏:‏ كل مؤمن صديق وشهيد- وتلا هذه الآية ‏{‏لهم‏}‏ أي جميع من مضى من الموصوفين بالخير ‏{‏أجرهم‏}‏ أي الذي جعله ربهم لهم ‏{‏ونورهم‏}‏ أي الذي زادهموه من فضله برحمته، أولئك أصحاب النعيم المقيم‏.‏

ولما ذكر أهل السعادة جامعاً لأصنافهم، أتبعهم أهل الشقاوة لذلك قال‏:‏ ‏{‏والذين كفروا‏}‏ أي ستروا ما دلت عليه أنوار عقولهم ومرائي فكرهم ‏{‏وكذبوا بآياتنا‏}‏ على ما لها من العظمة بنسبتها إلينا سواء كانوا في ذلك مساترين أو مجاهرين أو عمل العالم بها عمل المكذب ‏{‏أولئك‏}‏ أي المبعدون من الخير خاصة ‏{‏أصحاب الجحيم *‏}‏ أي النار التي هي غاية في توقدها، خالدون فيها من بين العصاة، وأما غيرهم فدخولهم لها إذا دخلوها ليس على وجه الصحبة الدالة على الملازمة، وأولئك هم الكاذبون الذي لا تقبل لهم شهادة عند ربهم، لهم عقابهم وعليهم ظلامهم، والآية من الاحتباك‏:‏ ذكر الصديقية وما معها أولاً دليلاً على أضدادها ثانياً، والجحيم ثانياً دليلاً على النعيم أولاً، وسره أن الأول أعظم في الكرامة، والثاني أعظم في الإهانة‏.‏

ولما ذكر سبحانه حال الفريقين‏:‏ الأشقياء والسعداء، فتقرر بذلك أمر الآخرة، فعلموا أنها الحيوان الذي لا انقضاء له من إكرام أو هوان، وكان الموجب للهوان فيها إنما هو الإقبال على الدنيا لحضورها ونسيان الآخرة لغيابها، قال منتجاً مما مضى مبيناً لحقيقة ما يرغب فيه المكلف المركب على الشهوة من العاجلة بما نزهه فيه مصدّراً له بما يوجب غاية اليقظة والحضور‏:‏ ‏{‏اعلموا‏}‏ أي أيها العباد المبتلون، وأكد المعنى بزيادة ‏{‏ما‏}‏ لما للناس من الغفلة عنه فقال قاصراً قصر قلب‏:‏ ‏{‏إنما الحيوة الدنيا‏}‏ أي الحاضرة التي رغبت في الزهد فيها والخروج عنها بالصدقة والقرض الحسن ‏{‏لعب‏}‏ أي تعب لا ثمرة له فهو باطل كلعب الصبيان ‏{‏ولهو‏}‏ أي شيء يفرح الإنسان به فيلهيه ويشغله عما يعنيه ثم ينقضي كلهو الفتيان، ثم أتبع ذلك عظم ما يلهي في الدنيا فقال‏:‏ ‏{‏وزينة‏}‏ أي شيء يبهج العين ويسر النفس كزينة النسوان، وأتبعها ثمرتها فقال‏:‏ ‏{‏وتفاخر‏}‏ أي كتفاخر الأقران يفتخر بعضهم على بعض‏.‏

ولما كان ذلك مخصوصاً بأهل الشهوات قال‏:‏ ‏{‏بينكم‏}‏ أي يجر إلى الترفع الجارّ إلى الحسد والبغضاء، ثم أتبع ذلك ما يحصل به الفخر فقال‏:‏ ‏{‏وتكاثر‏}‏ أي من الجانبين ‏{‏في الأموال‏}‏ أي التي لا يفتخر بها إلا أحمق لكونها مائلة ‏{‏والأولاد‏}‏ الذين لا يغتر بهم إلا سفيه لأنهم الأعداء، وأن جميع ما ذكر زائل وأن الدنيا آفاتها هائلة، وإنما هي فتنة وابتلاء يظهر بها الشاكر من غيره، ثم إلى ذلك كله قد يكون ذهابه عن قرب فتكون على أضداد ما كان عليه، فيكون أشد في الحسرة، ومطابقة ذلك لما بعده ان الإنسان ينشأ في حجر وليه فيشب ويقوى ويكسب المال والولد وثم تغشاه الناس فيكون بينهم أمور معجبة وأحوال ملهية مطربة، فإذا تم شبابه وأطفأه مجيئه وذهابه وأشكاله وأترابه، أخذ في الانحطاط ولا يزال حتى يشيب ويسقم ويضعف ويهرم وتصيبه النوائب والقوارع والمصائب في ماله وجسمه وأولاده وأصحابه، ثم في آخر ذلك يموت، فإذا قد اضمحل أمره ونسي عما قليل ذكره، وصار ماله لغيره وزينته متمتعاً بها سواه فالدنيا حقيرة وأحقر منها طالبها وأقل منها خطر المزاحم فيها، فما هي إلا جيفة، وطلاب الجيفة ليس لهم خطر، وأخسهم من بخل بها، قال القشيري‏:‏ وهذه الدنيا المذمومة هي ما يشغل العبد عن الآخر فكل ما يشغله عن الآخرة فهو الدنيا- انتهى‏.‏

ولما قرر سبحانه أنها ظل زائل وعرض هائل، وكان بعض الناس يتنبه فيشكر وبعضهم يعمى فيكفر، كان القسم الثاني أكثر لأن وجودها وإقبالها يعمي أكثر القلوب عن حقارتها، ضرب لذلك مثلاً مقرراً لما مضى من وصفها لأن للأمثال في تقرير الأشياء وتصويرها ما ليس لغيرها فقال تعالى‏:‏ ‏{‏كمثل‏}‏ أي هذا الذي ذكرته من أمرها يشبه مثل ‏{‏غيث‏}‏ أي مطر حصل بعد جدب وسوء حال‏.‏

ولما كان المثل في سياق التحقير للدنيا والتنفير عنها، عبر عن الزارع بما ينفر فقال‏:‏ ‏{‏أعجب الكفار‏}‏ أي الزراع الذين حصل منهم الحرث والبذرة الذي يستره الحارث بحرثه كما ستر الكافر حقيقة أنوار الإيمان لما يحصل من الجحد والطغيان ولا يتناهى إعجاب الزارع إلى حد يلهي عن الله إلا مع الكفر به سبحانه فإن المؤمن وإن أعجبه ذلك يتذكر به قدرة الله سبحانه وتعالى وعظمته وما أعد لأهل طاعته في الآخرة، فيحمله ذلك على الطاعة، فالتعبير بالكفار الذي هو بمعنى الزراع دونه إشارة إلى عظمة ذلك النبات فإنه لا يعجب العارفين به الممارسين له الذين لهم غاية الإقبال على تلك الحرفة فالمنافسة فيها إلا ما يكون منها نهاية في الإعجاب، وإلى أنه لا يعجب أحداً شيء من الدنيا إعجاباً يركن ويأنس به أنساً يؤدي إلى ما في الآية من اللهو وما معه إلا لكفر في نفسه أقله كفر النعمة التي من شأنها أن تدعو إلى تذكر الخالق وتذكر الجميل على الشكر، وترك الشكر كفر ‏{‏نباته‏}‏ أي نبات ذلك الغيب كما يعجب الكافر في الكفر في الغالب بسط الدنيا له استدراجاً من الله تعالى‏.‏

ولما كان الزرع يشيخ بعد مُدَيدة فيضمحل كما هو شأن الدنيا كلها قال‏:‏ ‏{‏ثم يهيج‏}‏ أي يسرع تحركه فيتم جفافه فيحين حصاده ‏{‏فتراه مصفراً‏}‏ أي عقب ذلك بالقرب منه على حالة لا ثمر معها بل ولا نبات، ولذلك قال معبراً بالكون لأن السياق للتزهيد في الدنيا وأنها ظل زائل لا حقيقة لها‏:‏ ‏{‏ثم‏}‏ أي بعد تناهي جفافه وابيضاضه ‏{‏يكون‏}‏ أي كوناً كأنه مطبوع عليه، وأبلغ سبحانه في تقرير اضمحلاله بالإتيان مع فعل الكون هنا للمبالغة لأن السياق لتقرير أن الدنيا عدم وإن كانت في غاية الكثرة والإقبال والمؤاتاة بخلاف ما مضى في الزمر فقال‏:‏ ‏{‏حطاماً‏}‏ كأن الحطامية كانت في جبلته وأصل طبعه‏.‏

ولما ذكر الظل الزائل، ذكر أثره الثابت الدائم مقسماً له على قسمين، فقال عاطفاً على ما تقديره هذا حال الدنيا في سرعة زوالها وتحقق فنائها واضمحلالها‏:‏ ‏{‏وفي‏}‏ أي هذا الذي غر من حال الدنيا وهو في ‏{‏الآخرة‏}‏ على أحدهما ‏{‏عذاب شديد‏}‏ أي لمن أخذها بغير حقها معرضاً عن ذكر الله لأن الاغترار بها سببه، فكان كأنه هو‏.‏

ولما قدم ما هو السبب الأغلب لأن أكثر الخلق هالك، أتبعه الصنف الناجي‏.‏ فقال‏:‏ ‏{‏ومغفرة‏}‏ أي لأهل الدرجة الأولى في الإيمان ‏{‏من الله‏}‏ أي الملك الأعظم لمن يذكر بما صنعه له في الدنيا عظمته سبحانه وجلاله فتاب من ذنوبه، ورجع إليه في التطهير من عيوبه ‏{‏ورضوان‏}‏ لأهل الدرجة العليا وهم من أقبل عليه سبحانه فشكره حق شكره ببذل وسعه فيما يرضيه، فآخر الآية تقسيم للدنيا على الحقيقة لئلا يظن من حصرها فيما ذكر أول الآية أنها لا تكون إلا كذلك، فالمعنى أن الذي ذكره أولاً هو الأغلب لأحوالها وعاقبته النار، وما كان منها من إيمان وطاعة ونظر توحيد لله وتعظيم ومعرفة تؤدي إلى أخذها تزوداً ونظرها اعتباراً وتعبداً، فهو آخره لا دنيا، وقد تحرر أن مثل الغيث المذكور الحطام وتارة يعقبه نكد لازم وأخرى سرور دائم، فمن عمل في ذلك عمل الحزمة فحرس الزرع ما يؤذيه وحصده في وقته وعمل فيه ما ينبغي ولم ينس حق الله فيه سره أثره وحمدت عاقبته، ومن أهمل ذلك أعقبه الأسف، وذلك هو مثل الدنيا‏:‏ من عمل فيها بأمر الله أعقبته حطاميتها سروراً دائماً، ومن أهمل ذلك أورثته حزناً لازماً، وكما كان التقدير‏:‏ فما الآخرة لمن سعى لها سعيها وهو مؤمن إلا حق مشهور وسعي مشكور، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏وما الحياة الدنيا‏}‏ أي لكونها تشغل بزينتها مع أنها زائلة ‏{‏إلا متاع الغرور *‏}‏ أي لهو في نفسه غرور لا حقيقة له إلا ذلك، لأنه لا يجوز لمن أقبل على التمتع إلا ذلك لأنه لا يسر بقدر ما يضر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏

‏{‏سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ‏(‏21‏)‏‏}‏

ولما بين أن الدنيا خيال ومحال ليصرف الكملة من العباد عنها لسفولها وحقارتها، وأن الآخرة بقاء وكمال ليرغبوا غاية الرغبة فيها وليشتاقوا كل الاشتياق لكمالها وشرفها وجلالها، أنتج ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سابقوا‏}‏ أي افعلوا في السعي لها بالأعمال الصالحة حق السعي فعل من يسابق شخصاً فهو يسعى ويجتهد غاية الاجتهاد في سبقه، ولكن ربما كان قرينه بطيئاً فسار هويناً، وأما المسارعة فلا تكون إلا بجهد النفس من الجانبين مع السرعة في العرف، فآية آل عمران الآمرة بالمسارعة الأخص من المسابقة أبلغ لأنها للحث على التجرد عن النفس والمال وجميع الحظوظ أصلاً ورأساً، ولذلك كانت جنتها للمتقين الموصوفين‏.‏ وأما هذه ففي سياق التصديق الذي هو تجرد عن فضول الأموال ولذلك كانت جنته للذين آمنوا‏.‏

ولما كان المقام عظيماً، والإنسان- وإن بذلك الجهد- ضعيفاً، لا يسعه إلا العفو سواء كان سابقاً أو لاحقاً من الأبرار والمقربين، نبه على ذلك بقوله في السابقين؛ ‏{‏إلى مغفرة‏}‏ أي ستر لذنوبكم عيناً وأثراً ‏{‏من ربكم‏}‏ أي المحسن إليكم بأن رباكم وطوركم بعد الإيجاد بأنواع الأسباب بأن تفعلوا أسباب ذلك بامتثال أوامره سبحانه واجتناب زواجره‏.‏ ولما كان المقصود من المغفرة ما يترتب عليها من نتيجتها قال‏:‏ ‏{‏وجنة‏}‏ أي وبستان هو من عظم أشجارها واطراد أنهارها بحيث يستر داخله‏.‏ ولما كان ذلك لا يكمل إلا بالسعة قال‏:‏ ‏{‏عرضها‏}‏ أي فما ظنك بطولها‏.‏ ولما كان السياق كما بين للتجرد عن فضول الأموال فقط لأن الموعود به دون ما في آل عمران فأفرده وصرح بالعرض فقال‏:‏ ‏{‏كعرض السماء والأرض‏}‏ أي لو وصل بعضها ببعض، فآية آل عمران تحتمل الطول وجميع السماوات والأرض على هيئتها، ويحتمل أن يكون ذلك على تقدير أن تقد كل واحدة منهما ويوصل رأس كل قدة برأس الأخرى، وتمتد جميع القدات إلى نهايتها على مثل الشراك، وهذه الآية ظاهرها عرض واحد وأرض واحدة ‏{‏أعدت‏}‏ أي هيئت هذه الجنة الموعود بها وفرغ من أمرها بأيسر أمر ‏{‏للذين آمنوا‏}‏ أي أوقعوا هذه الحقيقة وهم من هذه الأمة إيقاعاً لا ريب معه ولو أنه على أدنى الوجوه فكانوا من السابقين، وهذا يدل على أن الجنة موجودة الآن في آيات كثيرة، وأن الإيمان كاف في استحقاقها، وأحاديث الشفاعة مؤيدة لذلك ‏{‏بالله‏}‏ أي الذي له جميع العظمة لأجل ذاته مخلصين له بالإيمان ‏{‏ورسله‏}‏ فلم يفرقوا بين أحد منهم، فهذه الجنة غير مذكورة في آل عمران، وإن قيل‏:‏ إن السماء هنا للجنس لكون السياق فيه الصديقون والشهداء كانت أبلغته تلك بالتصريح بالجمع وعدم التصريح بالعرض لكونها في سياق صرح فيه بالجهاد، وقد جرت السنة الإلهية بإعظام للمجاهدين لشدة الخطر في أمر النفس وصعوبة الخروج عنها وعن جميع المألوفات‏.‏

ولما كان من ذكر من الوعد بالمغفرة والجنة عظيماً لا سيما لمن آمن ولو كان إيمانه على أعلى الدرجات ومع التجرد من جميع الأعمال، عظمه بقوله رداً على من يوجب عليه سبحانه شيئاً من ثواب أو عقاب‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أي الأمر العظيم جداً ‏{‏فضل الله‏}‏ أي الملك الذي لا كفوء له فلا اعتراض عليه ‏{‏يؤتيه من يشاء‏}‏ ولعل التعبير بالمضارع للإشارة إلى هذا خاص بهذه الأمة التي هي أقل عملاً وأكثر أجراً، فإذا حسدهم أهل الكتاب قال تعالى‏:‏ هل ظلمتكم من أمركم شيئاً، فإذا قالوا‏:‏ لا، لأن المصروف من الأجر لجميع الطوائف على حسب الشرط، قال‏:‏ ذلك فضلي أوتيه من أشاء‏.‏ ‏{‏والله‏}‏ أي والحال أن الملك المختص بجميع صفات الكمال فله الأمر كله ‏{‏ذو الفضل العظيم *‏}‏ أي الذي جل عن أن يحيط بوصفه العقول‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 23‏]‏

‏{‏مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ‏(‏22‏)‏ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ‏(‏23‏)‏‏}‏

ولما كانت الدنيا مانعة عن العكوف إلى الآخرة بلذاتها وآلائها، وكانت كما أنها منزل رخاء هي دار بلاء، وكان قد اقتصر سبحانه في الآية السالفة على الأول لأن السياق للإنفاق والترغيب في معالي الأخلاق وجعل المسابقة إلى السعادة نتيجة الزهد فيها، تحركت النفس إلى السؤال عما يعوق عن الخير من الضرب بسياط البلاء فقال مسلياً عنه لأن النفوس أشد تأثراً بالمكاره وأسرع انفعالاً بالمقارع ومحققاً ومغرياً بالإعلام بأنه لم يكن فيها خير ولا شر إلا بقضاء حتم في الأزل وقدر أحكم ووجب حين لم يكن غيره شيء عز وجل، وذكر فعل المؤنث الجائز التذكير لكون التأنيث غير حقيقي إشارة إلى عظم وقع الشر‏:‏ ‏{‏ما أصاب‏}‏ وأكد النفي فقال‏:‏ ‏{‏من مصيبة‏}‏ وهي في الأصل لكل آت من خير أو شر إلا أن العرف خصها بالشر، وعم الساكن والمتحرك بقوله‏:‏ ‏{‏في الأرض‏}‏ أي من منابتها ومياهها ونحو ذلك ‏{‏ولا في أنفسكم‏}‏ أي بموت ومرض وعين وعرض ‏{‏إلا‏}‏ هي كائنة ‏{‏في كتاب‏}‏ أي مكتوب لأنه مقدر مفروغ من القدم، وبين أن الكتابة حدثت بعد أن كان هو سبحانه ولا شيء معه بإدخال الجارّ فقال‏:‏ ‏{‏من قبل أن نبرأها‏}‏ أي نخلق ونوجد ونقدر المصيبة والأرض والأنفس، وهذا دليل على أن اكتساب العباد يجعله سبحانه وتقديره‏.‏

ولما كان ذلك متعذراً على المخلوق فهو أشد شيء تكرهاً له وقوفاً مع الوهم قال مؤكداً‏:‏ ‏{‏إن ذلك‏}‏ أي الأمر الجليل وهو علمه بالشيء وكتبه له على تفاصيله قبل كونه، ثم سوقه النفوس والأسباب إلى إخراجه بعد التكوين على مقدار ما سبق علمه به وكتبه له ‏{‏على الله‏}‏ أي على ما له من الإحاطة بالكمال ‏{‏يسير *‏}‏ لأن علمه محيط بكل شيء وقدرته شاملة لا يعجزها شيء‏.‏

ولما بين هذا الأمر العظيم الدال على ما له سبحانه من الكبرياء والعظمة، بين ثمرة أعماله بقوله‏:‏ ‏{‏لكيلا‏}‏ أي أعملناكم بأن على ما لنا من العظمة قد فرغنا من التقدير، فلا يتصور فيه تقديم ولا تأخير ولا تبديل ولا تغيير، لأن الحزن لا يدفعه، ولا السرور يجلبه ويجمعه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «يا معاذ ليقلّ همك ما قدر يكن» لأجل أن لا ‏{‏تأسوا‏}‏ أي تحزنوا حزناً كبيراً زائداً ‏{‏على‏}‏ ما في أصل الجبلة، يوصل إلى المبلغ بتعاطي أسبابه والتمادي فيها ليتأثر عنها السخط وعدم الرضا بالقضاء، فربما جر ذلك إلى أمر عظيم ‏{‏ما فاتكم‏}‏ من المحبوبات الدنيوية ‏{‏ولا تفرحوا‏}‏ أي تسروا سروراً يوصل إلى البطر بالتمادي مع ما في أصل الجبلة ‏{‏بما آتاكم‏}‏ أي جاءكم منها على قراءة أبي عمرو بالقصر، وأعطاكم الله على قراءة الباقين بالمد، وهي تدل على أن النعم لا بد في إيجادها وإبقائها من حافظ، ثم إنها لو خليت ونفسها فاتت لأنه ليس من ذاته إلا العدم، وقد بين سبحانه أن في تقديره هذا وكتبه من السر أن من وطن نفسه على فقد ما لديه من أعيان ومعان قبل أن تأمره بالعدم والوجدان، فلم يغيره ذلك عن المسابقة المذكورة، فالمنهي عنه التمادي مع الحزن حتى يخرج عن الصبر ومع الفرح حتى يلهي عن الشكر، لا أصل المعنى لأنه ليس من الأفعال الاختيارية، قال جعفر الصادق‏:‏ ما لك تأسف على مفقود ولا يرده إليك الفوت، وما لك تفرح بوجود ولا يتركه في يدك الموت- انتهى، ولقد عزى الله المؤمنين رحمة لهم في مصائبهم وزهدهم في رغائبهم بأن أسفهم على فوت المطلوب لا يعيده، وفرحهم بحصول المحبوب لا يفيدهم، ولأن ذلك لا مطمع في بقائه إلا بادخاره عند الله، وذلك بأن يقول في المصيبة‏:‏ قدر الله وما شاء الله فعل ويصير في النعمة هكذا قضى، وما أدري ما مثله

‏{‏هذا من فضل ربي ليبلوني أشكر أم أكفر‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 40‏]‏ فلا يزال خائفاً عند النقمة راجياً أثر النعمة، قائلاً في الحالين‏:‏ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأكمل من هذا أن يكون مسروراً بذكر ربه له في كلتا الحالتين كما قال القائل‏:‏

سقياً لمعهدك الذي لو لم يكن *** ما كان قلبي للصبابة معهدا

وهذه صفة المتحررين من رق النفس، وقيمة الرجال إنما تعرف بالواردات المغيرة، فمن لم تغيره المضار ولم يتأثر بالمسار فهو سيد وقته، أشار إليه القشيري‏.‏ ولما كان الإمعان في استجلاب الأسى إنما هو من اليأس ونسيان النعم وزيادة الفرح الموصل إلى المرح إنما يجره الكبر والمرح، وكان في أوصاف أهل الدنيا التفاخر، قال تعالى مبيناً أن المنهي عنه سابقاً التمادي مع الجبلة في الحزن والفرح، عاطفاً على ما تقديره‏:‏ ‏{‏فإن الله لا يحب كل يؤوس كفور‏}‏ ‏{‏والله لا يحب‏}‏ أي لا يفعل فعل المحب بأن يكرم ‏{‏كل مختال‏}‏ أي متكبر نظر إلى ما في يده في الدنيا ‏{‏فخور *‏}‏ قال القشيري‏:‏ الاختيال من بقايا النفس ورؤيتها، والفخر من رؤية خطر ما به يفتخر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 25‏]‏

‏{‏الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ‏(‏24‏)‏ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ‏(‏25‏)‏‏}‏

ولما كان من جملة صفات المختال المكاثر بالمال البخل، وكان قد تقدم الحث على الإنفاق، وكان ما يوجبه لذة الفخار والاختيال التي أوصل إليها المال حاملة على البخل خوفاً من الإقتار الموجب عند أهل الدنيا للصغار، قال تعالى واصفاً للمختال أو ‏{‏لكل‏}‏‏:‏ ‏{‏الذين يبخلون‏}‏ أي يوجدون هذه الحقيقة مع الاستمرار ‏{‏ويأمرون الناس‏}‏ أي كل من يعرفونه ‏{‏بالبخل‏}‏ إرادة أن يكون لهم رفقاء يعملون بأعمالهم الخبيثة فيحامون عنهم أو أنهم يوجبون بأعمالهم من التكبر والبطر في الأموال التي حصلها لهم البخل استدراجاً من الله لهم بخل غيرهم لأنه إذا رآهم عظموا بالمال بخل ليكثر ماله ويعظم، وذلك كله نتيجة فرحهم بالموجود وبطرهم عند إصابته، فكانوا آمرين بالبخل لكونهم أسباباً له والسبب كالآمر في إيجاد شيء‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فمن أقبل على ما ندب إليه من الإقراض الحسن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الله شكور حليم، عطف عليه قوله ذاماً للبخل محذراً منه‏:‏ ‏{‏ومن يتول‏}‏ أي يكلف نفسه من الإعراض ضد ما في فطرته من محبة الخير والإقبال على الله ‏{‏فإن الله‏}‏ أي الذي له جميع صفات الكمال ‏{‏هو‏}‏ أي وحده ‏{‏الغني‏}‏ أي عن ماله وإنفاقه وكل شيء إلى الله مفتقر ‏{‏الحميد *‏}‏ أي المستحق للحمد وسواء حمده الحامدون أم لا، وقراءة نافع وابن عامر بإسقاط هو مفيدة لحصر المبتدأ في الخبر للتعريف وإن كانت قراءة الجماعة آكد‏.‏

ولما ظهرت الأدلة حتى لم يبق لأحد علة، وانتشر نورها حتى ملأ الأكوان، وعلا علواً تضاءل دون عليائه كيوان، وكان فيما تقدم شرح مآل الدنيا وبيان حقيقتها، وأن الأدمي إذا خلي ونفسه ارتكب ما لا يليق من التفاخر وما شاكله وترك ما يراد به مما دعي إليه من الخير جهلاً منه وانقياداً مع طبعه، وكان ختم الآية السابقة ربما أوهم المشاركة، قال تعالى نافياً ذلك في جواب من توقع الإخبار عن سائر الأنبياء‏:‏ هو أوتوا من البيان ما أزال اللبس، مؤكداً لإزالة العذر بإقامة الحجج بإرسال الرسل بالمعجزات الحاضرة والكتب الباقية، معلماً أن من أعرض كلف الإقبال بالسيف، فإن الحكيم العظيم تأبى عظمته وحكمته أن يخلي المعرض عن بينة ترده عما هو فيه، وقسر يكفيه عما يطغيه‏:‏ ‏{‏لقد أرسلنا‏}‏ أي بما لنا من العظمة ‏{‏رسلنا‏}‏ أي الذين لهم نهاية الإجلال بما لهم بنا من الاتصال من الملائكة إلى الأنبياء على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام، ومن الأنبياء إلى الأمم ‏{‏بالبينات‏}‏ أي الموجبة للإقبال في الحال لكونها لا لبس فيها أصلاً، ودل على عظمة أنبيائه عليهم الصلاة والسلام بأنهم لعلو مقاماتهم بالإرسال كأنهم أتوا إلى العباد من موضع عال جداً فقال‏:‏ ‏{‏وأنزلنا‏}‏ بعظمتنا التي لا شيء أعلى منها ‏{‏معهم الكتاب‏}‏ أي الحافظ في زمن الاستقبال في الأحكام والشرائع‏.‏

ولما كان فهم الكتاب ربما أشكل فإنه يحتاج إلى ذهن صقيل وفكر طويل، وصبر كبير وعلم كثير- قال الرازي‏:‏ وبهذا قيل‏:‏ لولا الكتاب لأصبح العقل حائراً ولولا العقل لم ينتفع بالكتاب، عقبه بما يشترك في معرفته الكبير والصغير، والجاهل والنحرير، وهو أقرب الأشياء إلى الكتاب في العلم بمطابقة الواقع لما يراد فقال‏:‏ ‏{‏والميزان‏}‏ أي العدل والحكمة، ولعله كل ما يقع به التقدير حساً أو معنى، وتعقيبه به إشارة إلى أن عدم زيغه لعدم حظ ونحوه، فمن حكم الكتاب خالياً عن حظ نفس وصل إلى المقصود ‏{‏ليقوم الناس‏}‏ أي الذين فيهم قابلية التحرك إلى المعالي كلهم ‏{‏بالقسط‏}‏ أي العدل الذي لا مزيد عليه لانتظام جميع أحوالهم، هذا لمن أذعن للبينات لذات من أقامها أو للرغبة فيها عنده‏.‏

ولما كان الإعراض بعد الإبلاغ في الإيضاح موجباً للرد عن الفساد بأنواع الجهاد، قال مهدداً وممتناً ترغيباً وترهيباً معبراً عن الخلق بالإنزال تشريفاً وتعظيماً‏:‏ ‏{‏وأنزلنا‏}‏ أي خلقنا خلقاً عظيماً بما لنا من القدرة ‏{‏الحديد‏}‏ أي المعروف على وجه من القوة والصلابة واللين والحدة لقبول التأثير يعد به كالبائن لما في الأرض، فلذلك سمي إيجاده إنزالاً، ولأن الأوامر بالإيجاد والإعدام تنزل من السماء على أيدي الملائكة لأن السماء محل الحوادث الكبار، والبدائع والأسرار، لأن الماء الذي هو أصله وأصل كل نام ينزل من السماء وتكون الأرض له بمنزلة الرحمن للنطفة‏.‏

ولما وقع التشوف إلى سبب إنزاله، قال‏:‏ ‏{‏فيه بأس‏}‏ أي قوة وشدة وعذاب ‏{‏شديد‏}‏ لما فيه من الصلابة الملائمة للمضاء والحدة ‏{‏ومنافع للناس‏}‏ بما يعمل منه من مرافقهم ومعاونهم لتقوم أحوالهم بذلك، قال البيضاوي‏:‏ ما من صنعة إلا والحديد آلتها‏.‏ ولما كان التقدير‏:‏ ليعلم الله من يعصيه ويخذل أولياءه، بوضع بأسه في غير ما أمر به نصرة لشيطانه وهواه وافتنانه، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏وليعلم الله‏}‏ أي الذي له جميع العظمة علم شهادة لأجل إقامة الحجة بما يليق بعقول الخلق فيكون الجزاء على العمل لا على العلم، وأوقع ضمير الدين عليه سبحانه تعظيماً له لأنه شارعه فقال‏:‏ ‏{‏من ينصره‏}‏ أي يقبل مجداً على الاستمرار على نصر دينه ‏{‏ورسله‏}‏ بالذب عنهم والدعاء إليهم، كاثناً ذلك النصر ‏{‏بالغيب‏}‏ من الوعد والوعيد، أي بسبب تصديق الناصر لما غاب عنه من ذلك، أو غائباً عن كل ما أوجب له النصرة، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال‏:‏ ينصرونه ولا يبصرونه- انتهى‏.‏ فلم يدع سبحانه في هذه الآية لأحد عذراً بالرسل الذين هم الجنس مع تأييدهم بما ينفي عنهم اللبس، والكتاب العالي عن كلام الخلق، والعقل الذي عرف العدل، والسلاح الذي يرد أولي الجهل، كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏

«بعثت بين يدي الساعة بالسيف» فبيان الشرائع بالكتاب، وتقويم أبواب العدل بالميزان، وتنفيذ هذه المعاني بالسيف، فإن مصالح الدين من غير هيبة السلطان لا يمكن رعايتها، فالملك والدين توأمان، فالدين بلا ملك ضائع، والملك من غير دين باطل، والسلطان ظل الله في الأرض، فظواهر الكتاب للعوام، ووزن معارفه لأهل الحقائق بالميزان، ومن خرج عن الطائفتين فله الحديد وهو السيف، لأن تشويش الدين منه- نبه عليه الرازي‏.‏

ولما كان طالب النصرة مظنة لتوهم الضعف، قال نافياً لذلك مؤكداً قطعاً لتعنت المتعنتين مظهراً للاسم الأعظم إشارة إلى أن من له جميع صفات الكمال لا يمكن أن تطرقه حاجة‏:‏ ‏{‏إن الله‏}‏ أي الذي له العظمة كلها‏.‏ ولما لم يكن هنا داع إلى أكثر من هذا التأكيد‏:‏ بخلاف ما أشير إليه من الإخراج من الديار المذكورة في الحج ونحوه، قال معلماً بأنه غني عن كل شيء معرياً الخبر من اللام‏:‏ ‏{‏قوي‏}‏ أي فهو قادر على إهلاك جميع أعدائه وتأييد من ينصره من أولياءه ‏{‏عزيز *‏}‏ فهو غير مفتقر إلى نصر أحد، وإنما دعا عباده إلى نصر دينه ليقيم الحجة عليهم فيرحم من أراد بامتثال المأمور، ويعذب من يشاء بارتكاب المنهي، ببنائه هذه الدار على حكمة ربط المسببات بالأسباب‏.‏